صديق الحسيني القنوجي البخاري

32

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرجا عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وأنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي » « 1 » ، وأخرجه ابن ماجة والدارقطني ولفظهما « هو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي » « 2 » . وقد روي عن عمرو بن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض ، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم . وهذا العلم من أعظم العلوم قدرا وأشرفها ذخرا وأفضلها ذكرا ، وهو ركن من أركان الشريعة ، وفرع من فروعها في الحقيقة ، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصلولها ، ويكفي في فضلها أن اللّه تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة في محل قدسه ، وقد حث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على تعليمها كما ذكرنا . وقد ذكر بعض المفسرين أحكام الفرائض وأسباب الإرث في هذا المقام من تفسيره وإنما محلها كتب الفروع ، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي . وليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين . فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر ، ويكفيك منها ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك وما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملا بحديث معاذ المشهور « 3 » . والسهام المحدودة في كتاب اللّه العزيز ستة : النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس كما تقدم تفسيره آنفا : والذي وردت به السنة المطهرة أنه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة ، ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة للثلثين ، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم ، وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب ، وفي ميراثهم مع الجد خلاف ، ويرثون مع البنات إلا الإخوة للأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين . وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال ، فإن تزاحمت الفرائض

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب الفرائض 4 / 332 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الفرائض باب 1 . ( 3 ) لفظ حديث معاذ : « أن رسول اللّه ( ص ) حين بعثه إلى اليمن فقال : كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب اللّه ، قال : فإن لم يكن في كتاب اللّه ؟ قال : فبسنة رسول اللّه ( ص ) ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول اللّه ( ص ) ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو » . أخرجه أبو داود في الأقضية باب 11 ، والترمذي في الأحكام باب 3 ، والنسائي في القضاء باب 11 ، وابن ماجة في المناسك باب 38 ، والدارمي في المقدمة باب 30 ، وأحمد في المسند 5 / 230 ، 236 ، 242 .